تتسارع وتيرة نمو الأنشطة المالية غير المصرفية في مصر بصورة لافتة، مدفوعة بتوسع أدوات التمويل والاستثمار وزيادة إقبال المتعاملين على البدائل ذات العوائد المرتفعة، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المنافسة مع القطاع المصرفي التقليدي.ومع اتساع حجم التمويلات والأنشطة الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذا التحول على البنوك المصرية، واحتمالات اتجاهها إلى إعادة النظر في سياسات العائد للحفاظ على السيولة والعملاء.وتعكس المؤشرات الرسمية اتساع هذا التحول بصورة لافتة، إذ أظهر أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن قيمة التمويلات الممنوحة من الجهات الخاضعة لرقابتها بلغت بنهاية عام 2025 نحو 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل نحو 54% من إجمالي التمويلات الممنوحة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد الطبيعيين.ويأتي ذلك بالتوازي مع النمو الكبير في قاعدة المؤسسات العاملة بالقطاع المالي غير المصرفي، الذي يضم حالياً نحو 2532 شركة وجهة خاضعة لرقابة الهيئة، تخدم أكثر من 64 مليون عميل، كما بلغ حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه، مع تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 ملايين عقد، فيما ظلت نسب التعثر دون 3%، بما يعكس اتساع النشاط واستقرار مستويات المخاطر في السوق.تحولات في السيولة ومخاوف مصرفيةوفي تعليق خاص لـالنهار، تؤكد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن ارتفاع معدلات التضخم دفع شريحة من المتعاملين إلى توجيه أموالهم نحو بدائل استثمارية تحقق عوائد أعلى، ما أدى إلى خروج جزء من السيولة من القطاع المصرفي إلى صناديق الاستثمار والأنشطة المالية غير المصرفية.وتوضح أن هذا التحول خلق حالة من القلق لدى البنوك المصرية، إلا أنها تستبعد حالياً اتجاه البنوك إلى رفع أسعار الفائدة بصورة كبيرة، باعتبار أن الأمر يرتبط بسياسات البنك المركزي المصري، كما أن أي زيادة كبيرة في الفائدة ستنعكس على تكلفة أدوات الدين الحكومية بصورة مباشرة.وتضيف أن السوق قد تشهد خلال الفترة المقبلة حالة من الشد والجذب بين التمويل المصرفي وغير المصرفي، خصوصاً مع استمرار بحث المدخرين عن أدوات تحقق عائداً أعلى من معدلات التضخم.قفزات قويةوتعكس مؤشرات السوق تسارع نمو التمويل غير المصرفي خلال العام الماضي، إذ ارتفعت التمويلات العقارية إلى 42.7 مليار جنيه بنهاية 2025 بنمو 67.5%، فيما صعدت عقود التأجير التمويلي إلى 179.2 مليار جنيه بزيادة 50.8%، كما تجاوزت تمويلات التمويل الاستهلاكي 96.3 مليار جنيه بنمو 57%، مع استفادة أكثر من 10.8 ملايين عميل، بينما بلغت تمويلات المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر نحو 106.9 مليارات جنيه بزيادة 24%.وامتد الزخم إلى صناديق الاستثمار، بعدما حققت صناديق المعادن النفيسة عائداً ربع سنوي بلغ 20.37% خلال الربع الأول من 2026، بالتزامن مع تضاعف أعداد المكودين الجدد في البورصة المصرية إلى 228 ألف مكود خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، في مقابل نحو 83 ألفاً خلال المدة نفسها من العام الماضي.سيناريوات المنافسة المقبلةوفي ضوء هذا التوسع المتسارع، تتزايد التساؤلات بشأن شكل المنافسة المرتقبة بين القطاعين المصرفي وغير المصرفي، ومدى قدرة البنوك على الحفاظ على جاذبية أدواتها الادخارية أمام تنامي البدائل الاستثمارية.من جانبه، يؤكد سامي شاوش، العضو المنتدب لشركة جوست فاير للاستشارات المالية، في تصريحات خاصة لـالنهار، أن الأنشطة غير المصرفية أصبحت لاعباً رئيسياً في منظومة التمويل داخل مصر، مدعومة بجهود تنظيمية ورقابية ساهمت في رفع الوعي بأهمية هذه الأدوات.ويشير إلى أن استمرار النمو الحالي للأنشطة غير المصرفية، قد يدفع البنوك إلى إعادة صياغة استراتيجياتها التنافسية، سواء عبر طرح أوعية ادخارية وشهادات بعوائد أكثر جاذبية، أو التوسع في الخدمات الرقمية والمنتجات الاستثمارية، مع بقاء هذه التحركات مرتبطةً بمعدلات التضخم وسياسات الفائدة الرسمية.ويضيف أن السيناريوات المحتملة قد تشمل أيضاً اتجاه بعض البنوك إلى تعزيز الشراكات مع شركات التمويل غير المصرفي والتكنولوجيا المالية، إلى جانب التوسع في صناديق الاستثمار والمنتجات المرتبطة بالذهب وأدوات الدخل المتنوع، بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي وتبسيط إجراءات التمويل لاستقطاب شرائح جديدة من العملاء.وبين اتساع الأنشطة غير المصرفية وتمسك البنوك بالحفاظ على السيولة، تبدو السوق المصرية مقبلةً على مرحلةٍ أكثر تنافسية، قد تعيد رسم خريطة توزيع المدخرات والاستثمارات داخل القطاع المالي خلال الفترة المقبلة.
Signal Search
Search across all ingested intelligence signals. Supports websearch syntax: AND OR "exact phrase" -exclude
2 results for "سامي"
Page 1 of 1